غزة/ دعاء الحطاب:
لم تعد ظاهرة المليشيات المسلحة المتعاونة مع الاحتلال في قطاع غزة مجرد ملف أمني عابر، بل تحوّلت إلى أداة معقّدة تُستخدم لاختراق المجتمع من الداخل. فهذه التشكيلات لا تقتصر أدوارها على جمع المعلومات عن المقاومة، بل تمتد إلى المشاركة في عمليات تصفية ممنهجة، بما يتيح للاحتلال تعزيز سيطرته بأدوات غير مباشرة، أقل كلفة عسكريًا وأكثر أثرًا على البنية المجتمعية.
ومع تصاعد اعتماد الاحتلال على هذا النمط، تتكشف أبعاد أكثر خطورة تتجاوز الجانب الأمني، لتطال النسيج الاجتماعي الفلسطيني، عبر بث الشك والريبة بين أفراده وتقويض الثقة المجتمعية. الأمر الذي يجعل من مواجهة هذه الظاهرة ضرورة ملحّة، ليس فقط أمنيًا، بل أيضًا إعلاميًا، من خلال كشف أدوارها وفضح ارتباطاتها، باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل واقع القطاع بأساليب خفية وعميقة التأثير.
فمع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025، برز هذا الملف بوصفه أحد أخطر التحديات التي تواجه البنية الاجتماعية والأمنية في غزة.
جزءًا من المنظومة الأمنية
المختص بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع، أكد أن المليشيات المسلحة في قطاع غزة تُعد جزءًا من المنظومة الأمنية الإسرائيلية التي تهدف إلى إضعاف المقاومة في غزة، وتفكيك البنية الاجتماعية الفلسطينية التي تتعرض لحرب إبادة واستنزاف منذ السابع من اكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقال مناع لـ "الاستقلال": " أن ما يجري في غزة يتجاوز صورة الانفلات المحلي و الخصومات العائلية المحدودة، فالأرجح أننا أمام توظيف إسرائيلي لجماعات محلية مسلحة أو شبكات هامشية تنفيذ مهام خطيرة دون المخاطرة بجنوده".
وأضاف:" أن الاحتلال يسعى إلى تقليص الاحتكاك المباشر لقواتها في البيئات المعقدة كغزة، عبر تكليف مجموعات محلية بمهام عالية المخاطر، بحيث تتحمل هذه المجموعات العبء الميداني وتبقى إسرائيل في موقع الإسناد والتوجيه".
وأوضح أن المليشيات تعتبر أكثر كفاءة وفعالية في إنجاز بعض المهام مقارنة بالقوة العسكرية النظامية والوحدات الخاصة المتنكرة، كونها تتحرك داخل النسيج الاجتماعي نفسه، وتمتلك معرفة دقيقة بالسكان والأحياء والمناطق، وتمنح الاحتلال قدرة عالية على الاختراق والتأثير من الداخل، بالإضافة إلى أنها قليلة التكلفة، مما دفع الاحتلال إلى وظيفها.
وبين أن المليشيات تنفذ مهام تتصل بتمشيط مناطق القتال، وتفكيك العبوات، وتفتيش الأنفاق، وإرباك البيئة الداخلية، وجمع معلومات دقيقة عن الخصوم وملاحقتهم، و استدراج المقاومين والمشاركة في عمليات تصفية ممنهجة بإسناد تقني مباشر، الأمر الذي يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية كلاسيكية تقوم على "إدارة الصراع بأدوات محلية منخفضة الكلفة".
وأكد أن خطورة هذه الظاهرة لا تتوقف عند بعدها الأمني، بل تمتد إلى محاولة ضرب أمن المجتمع، وتفكيك النسيج الاجتماعي وإدخال المجتمع في دائرة الشك والخوف والانقسام ، بالإضافة لإحداث شرخ نفسي واجتماعي طويل الأمد، وهذا ينسجم مع مخطط "إسرائيل" بإدارة الصراع عبر إضعاف البنية الداخلية الفلسطينية، ومنع تشكل مرجعية موحدة قادرة على ضبط المجتمع أو مقاومة الاختراق.
وشدد على أن محاربة المليشيات المسلحة لا تتم بالمواجهة الأمنية فقط، بل أيضاً بعزلها اجتماعياً، وفضح دورها، ومنعها من اكتساب أي شرعية محلية، وتقوية شبكات الحماية المجتمعية، مستدركاً:" كلما تماسك المجتمع، وتراجع الفراغ الأمني والمعيشي، ضاقت المساحة التي تتحرك فيها هذه الأدوات وفشل الرهان الإسرائيلي على توظيفها".
أداة لتعميق الجرائم
وبدوره، اتفق رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد” د. صلاح عبد العاطي، مع سابقه بأن الاحتلال الإسرائيلي اتجه بشكل متزايد إلى توظيف الميليشيات المحلية بغزة، خلال حرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر 2023، باعتبارها أداة موازنه لتعميق الجرائم والانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين.
وأوضح عبد العاطي لـ "الاستقلال"، أن هذه الميليشيات تمثل شكلاً من أشكال "الخصخصة الأمنية" التي تهدف إلى تقويض السلم الأهلي الفلسطيني، عبر خلق حالة من الفوضى الداخلية وتفكيك النسيج المجتمعي، بما يحول طبيعة الصراع من مواجهة مع الاحتلال إلى نزاعات داخلية تستنزف المجتمع الفلسطيني.
وبين أن لجوء الاحتلال إلى هذه المليشيات يأتي في إطار محاولاته التنصل من المسؤولية القانونية الدولية، من خلال استخدامها كواجهة لتنفيذ جرائم القتل والنهب والتجويع، وإظهارها أمام المجتمع الدولي على أنها صراعات داخلية، في مخالفة واضحة لأحكام القانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة.
ونوه إلى أن هذه الميليشيات تلعب دوراً محورياً في استكمال سياسة التجويع والحصار، من خلال السيطرة على المساعدات الإنسانية ونهبها وبيعها في السوق السوداء، الأمر الذي يسهم بتعميق الأزمة الإنسانية ويدفع السكان نحو التهجير القسري، في إطار مخطط يستهدف جعل قطاع غزة بيئة غير قابلة للحياة.
وترتكب المليشيات بغزة أنماطاً متعددة من الجرائم والانتهاكات، شملت قمع حرية التنقل والتنكيل بالمدنيين، والتجسس الميداني لصالح قوات الاحتلال، والمشاركة في عمليات الاغتيال والتصفية خارج نطاق القضاء، إضافة إلى السطو على المساعدات الإنسانية، وتجنيد الأطفال واستغلال الفئات الهشة، وتهديد الرموز الوطنية والعشائرية بهدف تفكيك أي بنية مجتمعية قادرة على حفظ الأمن الداخلي. وفق عبد العاطي.
وأشار إلى أن هذه الانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك تجنيد الأطفال، واستخدام التجويع كسلاح، وعمليات القتل والاضطهاد الممنهجة، كما قد تشكل شكلاً من أشكال التواطؤ بجريمة الإبادة الجماعية، في ظل السياق العام للجرائم المرتكبة في قطاع غزة.
وفي السياق القانوني، أكد أن أفعال هذه الميليشيات تُنسب قانوناً إلى دولة الاحتلال وفق معيار "السيطرة الفعلية"، ما يجعل إسرائيل مسؤولة بشكل كامل عن الجرائم المرتكبة، باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال، وفق أحكام القانون الدولي الإنساني.
ودعا عبد العاطي، الهيئة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيق عاجل في دور هذه الميليشيات، وإصدار مذكرات اعتقال بحق قادتها، كما طالبت محكمة العدل الدولية بإدراج ملف "الخصخصة الأمنية" ضمن الدعوى المتعلقة بجريمة الإبادة الجماعية.
كما طالب المجتمع الدولي بتصنيف هذه المجموعات كمنظمات إجرامية، والضغط على قوات الاحتلال لوقف دعمها، وضمان حماية المساعدات الإنسانية، إلى جانب تعزيز الجهود الوطنية الفلسطينية لتوثيق جرائم هذه الميليشيات وملاحقة المتورطين فيها قانونياً.
وشدد على أن استمرار هذه السياسات يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي الفلسطيني، ويعكس توجهاً منظماً نحو تفكيك المجتمع من الداخل، بما يخدم أهداف الاحتلال في فرض واقع قسري على الأرض.


التعليقات : 0